المقالات

عزلة

لا تغرق كثيرًا في المعمعة الاجتماعية لكي لاتنسى من أنت وتنسى ما لك. أيضًا لا تعجبك عزلتك كثيرًا لكي لاتنسى ماعليك.

أي مبالغة في أي أمر تنقلب علينا شؤم، فالنور القوي يعمي كالظلام الدامس.

هذا كان درسًا من ألف درس تعلمته بعد مدةٍ قصيرة قاربت أربع سنوات من الإغتراب والإبتعاد عن الوطن والحياة الإجتماعية السعودية.

فعلى الرغم من أن هذه المدة كانت قصيرةً جدًا إلا أنها غيرت وبدلت ترتيب قواعد كثيرة في حياتي وفي عقلي.

الحمدلله أني تجاوزت سريعًا جهنم الغربة (كما يقول البعض) في أول أشهر حياتي الأمريكية. فكل تفكيري تلك الأيام كان مركزًا في كيفية تسخير هذا الوقت لصالحي. فقد تعرفت على نفسي بشكل أقرب، وأحببت نفسي وكأني أخت أو صديقة، صارحتها بكل شيء وحاولت معها تعديل وتطوير أشياء كثيرة.

في الحقيقة، إن الغربة لاتساعد في شيء إلا أن تجعلك تختلي بنفسك بشكل طويل ومكرر، فالعزلة بالمدة المقبولة مفيدة جدًا كما هي مجالسة الناس واختلاط الأفكار. لأنك بحجم الأفكار التي تجمعها من هنا ومن هناك أنت غالبًا لاتجد وقتًا لتصفيتها واعتماد الصحيح منها، لذلك بعضنا يرى نفسه أحيانًا يبدأ نقاشًا لايعرف كيف ينهيه، إذ أن عقله غالبًا ماقد يصدر مايتلقى أكثر مما قد يستنتج. لذكَ تصفية الأفكار في عزلة أمرٌ مهم جدًا بين الحين والآخر.

البعض من المغتربين يخاف كثيرًا من أن يعيش خالعًا قوقعته الإجتماعية، فمثل أولئك الناس تراهم دائمًا بين أشباههم عربًا أو عجمًا، يخافون من التجربة أو لايحبون تحمل مسؤوليتها، أو ربما أحيانًا سعيدين بما هم عليه ولا يريدون أي جديد أو تغيير. لذلك وجدت كثيرًا ممن تعرفت عليهم ومنهم ممن اغترب لسنوات عن وطنه رجع إليها بلا أي عائد ولا أي مخزون فكري يذكر، أي أنه عاد كما هو.

لا أقصد في التغيير الذي أرجوه منهم أن ينسلخوا عن عاداتهم أو دينهم أو هوياتهم، بل على العكس. الإختلاط بالأجناس الأخرى والتعرف على العالم من الجهة الأخرى هو مايقوي دواخلنا ويزيدنا إيمانًا بما لدينا وحبًا بديننا وتعلقًا بربنا.

لكن، الخروج من مجتمع في أرض معينة والولوج في نفس المجتمع في أرض أخرى لايعني غربةً ولا تجربةً ولا أية جديد.

إذًا فالغربة أو بالأصح السفر أو الإبتعاث، ليس بمعلم ولا بمغيّر، بل المعلم والمغيّر هي العزلة ثم الإختلاط فالعزلة فالإختلاط.

“العزلة: زاوية صغيرة يقف فيها المرءُ أمام عقله، حيث لا مفر من المواجهة” سعود النسعوسي.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s