المقالات

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ⁹ ¹

إن الله قد وزع البلاءات والمصاعب على خلقه بقدر ما يستطيعون.

فإني أجزم أن هناك علاقة طردية بين أصحاب النفوس القوية والمواقف الصعبة، فكلما زادت البلاءات في وجهك والمتعاب كلما عادت عليك استثمارًا ووقودًا، وعلى العكس فمن كان وديعًا في كل أموره فغالبًا مايكون ذا حياة معبدةٍ وسطحية.

وحيث أن الله لايكلف نفسًا إلا وسعها، فإنه -سبحانه- يرى فيمن يكلف من خلقه قدرةً قد لا يراها هذا المخلوق الصغير في نفسه.

فقبل هذا الوقت، ربما خطر على بالك أنك ستكسب حياة رائعة متسلسلة العطايا بدون توقف أو صدامات، إلا أنك قد تكون تفاجأت بالعديد منها والتي ربما لم تكن تتوقع أنك ستتعداها، لكنك بعد كل هذا خرجت منها وتخطيتها بعد قصة حزن طويلة وربما ألف دمعة.

وهكذا يخرج الله الحيّ من الميت.

الحياة وإن حملت وأثقلت فلن تقصمنا أبدًا، فإن حدث وقصمتنا فإن ذلك يعود لضعفٍ منا وفينا، فإن الإيمان بالنفس بعد خالقها هو مايدفع كل مشكلةٍ ويقصيها.

أما مايزيد العبء عبئًا ويزيد اعوجاج العود المتماسك، هو كثرة مشاركة الآخرين وإشراكهم في الأمر، فإن كل أمرٍ يتحمل حدًا معينًا من المشاركةٍ سواء للمشاورة أو لمقاسمة المشاعر مثلًا.

فكلما زادت دائرة الناس الذين يعرفون عن مشكلتك وشكواك، أثاروا مرض الشفقة عندك، فقلت ثقتك وهانت قوتك.

لذلك، أشرك القوي الأمين، أو لا تشرك منهم أحدًا أبدًا.

الخلاصة، الله يختار الأقوياء منا ليروا رزق الله عليهم، فإن هم آمنوا بأنفسهم أفلحوا في كل شيء، وإن هم مالوا للناس وانقادوا لشفقتهم ظلوا يدورون في دائرة “لماذا أنا!”.

“وﻷول مرة في حياتي بدأت أتبين أن الضعف -لا الشر ولا الوحشية- هو المسؤول عن أسوأ الكوارث التي تقع في هذه الدنيا.”

*ستيفان زفايج

8 رأي حول “﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ⁹ ¹

  1. السلام عليكم ،
    أولاً أشكركِ على اختيار هذا الموضوع ، وثانياً على أسلوبكِ الجميل في التحليل ، والغوص في فلسفة العنوان الجميل .

    وكما أشرتِ إلى أن هناك علاقة طردية بين أصحاب النفوس القوية ، وبين اختصاصهم بالمهمات الصعبة ، والإبتلاآت الرهبة . نعم ، أصحاب الهمم العالية ،
    ومن يحملون هموم الأمة ، والإنسانية عموماً ، لديهم رسالة إيجابية في الحياة ، ولذلك لا وقت لديهم ليضيعوه ، ولا يعرفون الملل والكلل في سبيل التقدم إلى الأمام ، والإبتكار والإبداع ، فهم في تفكرٍ وتأملٍ دائم ، بحثاً عن الإجابات الصحيحة لأسئلة القريحة ، ، وهذا ما يسمى بالمعاناة ، فالحاجة أم الإختراع ، والإبداع يخرج من قلب المعاناة . وهذا هو دأب المجاهدين الحقيقيين .
    وكما أشرتِ إلى اصنف الآخر من الناس ، وهوالوديع الذي يحيا حياة معبّدة وسطحية ، فهو في الغالب لا يعمل أو ينتج أو يضيف ، لأنه يهاب الوقوع في الخطأ ، وهذه النظرية صحيحة ( من لا يعمل لا يخطىء ) ولكنها نظرية مدمرة ، لأن من لا يخطىء لا يتعلم ، ولا يتقدم ، بل هو كالمياه الراكدة التي عاجلاً أو آجلاً ستصبح آسنة .

    والحقيقة أن إيرادكِ للآية الكريمة ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) لفتة رائعة ، وهي عبارة فلسفية عميقة الأبعاد ، فأنتِ ترين أن الحكمة الإلهية تقتضي العدل ، لذلك يخص المولى جل وعلا أصحاب الهمم ، ذوو الإستعداد ، بالمهام الصعبة ، الذين هم أهل لها . ولعلي أضيف هنا ، أن الحكمة الإلهية قد تقتضي أحياناً
    وضع العبد ضعيف الهمة في مواقف صعبة عليه ، بسبب هوانه ، ونقص ثقته في نفسه ، بهدف شحذ همته وتعزيز ثقته في نفسه عملياً ، حتى يتخطى هذه المرحلة المنكسرة في حياته ، ليصبح إنساناً آخر . والجميع يعرف قصصاً كثيرة لمواقف كهذه غيرت مسارات الحياة للملايين من البشر ، خصوصاً في
    مسائل الإيمان ، والبحث عن السراط المستقيم .

    ولو تعمقنا في فلسفة ( يخرج الحي من الميت ، ويخرج الميت من الحي ) فإننا نجد الكثير من الأمثلة التي تثبت الإبداع الإلهي ، الذي يكسر كل النظريات
    ويغير كل الرتابة والتطبيقات ، ويظهر الإعجاز في أوضح صوَرِه ، فمن صلب رجلٍ ملحد يخرج أقوى الناس إيماناً ( والعكس ) ، ومن صلب رجلٍ جاهل
    يخرج طفلاً يغير وجه الحياة ( والعكس ) ، ومن صلب رجلٍ ضعيف جبان يخرج شاب شجاع شديد المراس ، ومن صلب رجلٍ فقير معدم يخرج أغنى أغنياء
    العالم … ونحن جميعاً نستشهد بهذه ( المتناقضات ) ونعيها جيداً ، مؤمنين بطلاقة القدرة الإلهية ، وهي أيضاً تحمل رسالة إيجابية لكل إنسان ، بأن لا
    مستحيل ، كل شيءٍ ممكن بعد الإتكال الصحيح ، والإيمان الصادق ، وجهاد النفس الثابت .

    وأخيراً ، أتفق معكِ أن كثرة الشكوى ، واللجوء إلى الآخرين لتعويض الضعف لدينا ، لن يحل أي مشكلة ، بل قد يفاقمها … ، الإيمان الراسخ ، ثم الثقة في
    النفس ، هما المسلك الحكيم ، والعقل الراجح .

    وبالموازاة مع قول ( ستيفان زفايج ) : ولأول مرة في حياتي بدأت أتبين أن الضعف ، لا الشر ولا الوحشية ، هو المسئول عن أسوأ الكوارث التي تقع في هذه الدنيا . هناك قول آخر لــ ( البرت آينشتاين ) : الأشرار لن يدمروا العالم ، بل من يشاهدونهم ولا يحركون ساكناً .

    ** ما ينقص العالم هـو : الـــحـــكـــمـــة **

    Liked by 2 people

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s