المقالات

﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾⁵

يقول حسّان الشيخ: “الكمال لله، وكمال الإنسان في نقصه”*.

لذا فإن عدم إيماننا بالنقص يجعلنا ننسلخ من انسانيتنا وفطرتنا بمجرد محاولتنا لإعادة خلق الخالق والمناضلة للوصول إلى المثالية الزائفة.

لكننا وحتى مع إيماننا بهذا لا نزال نركض نحو وهم الكمال ونسعى إليه كمن يركض في دولابٍ ويظن بأنه سيصل في النهاية.

إننا وبدلًا من أن نكتفي بذواتنا وإحسان الله علينا ونقف لحظة نتأمل فيها حُسن خِلقتنا وخُلقنِا، جمال أرواحنا ورغد عيشنا؛ فإننا نبحث عن ثغرةٍ تهدد استقرارنا النفسي وقناعاتنا.

أنا هنا لا أتحدث عن تنمية الذات وتطويرها، ولا عن البحث عن طرق للعيش بشكلٍ أفضل.

بل إني أستهدف في مقالي هذا كل من يظن أن المجاراة والمنافسة ضروريةٍ في حياته وأنه لن يصبح أفضل إلا بعد أن يرتدي هذه القطعة أو يشتري هذه الحقيبة أو ربما يسافر لهذه الدولة، …إلخ.

إذ إن الإنسان خصيم نفسه، فيزيد على نفسه تعبًا ويشتري مايرهقه ويستمر بشخذ المزيد والمزيد إذ أنه لا يرى مافي يديه ولا يعي مايملك حتى يفقد. فإن المرء غالبًا ما يخلط بين الهدف والطمع، إذ أن من يهدف لأمر معين يكون قد رسم كل مايحتاج ومايريد قبل الإنطلاق، ثم قد يبدأ فيه الطمع فيأكله وينهش فيه حتى يختفي.

أتحدث عن أولئك الذين ينقصهم دائمًا ما بيد غيرهم، ولا يعيشون لأنفسهم إنما لأجل الآخرين، فنراهم يتبدلون في اليوم لألف لون، ويتأثرون بكل رأي فلا نراهم يفكرون قبل أن يغيروا من ملامحهم وفقًا لما تنصه معايير الجمال، ويتعاملون مع أخلاقهم وكأنها بضاعة تشترى وتسترد، كل هذا خوفًا من أن يكونوا بعين الآخرين ناقصين، فإنهم يفعلون أشياء لا تعجبهم ويلبسون ثيابًا لا تناسبهم ويتحملون أشياء فوق طاقتهم فقط من أجلِ وهم الكمال وحب لفت النظر. في حين أن الواقع يقول أن لا أحد يُرعي إهتمامه لأحد فيبدو ذلك الساعي للفت النظر كسمكة إلتقمها نورسٌ فطار بها عاليًا فلما رأت جمال البحر من عُلوٍ أفلتها فكان وقوعها مؤلمًا جدًا.

وكما كان رأي الإمام الشافعي فإني لا أعيب هذا الزمان ولا أعيب هذه الظروف، إنما أعيب من تزعزعت روحه وأصبح لا يعرف أين موطء قدمه ولا إلى أين وجهته، فأصبح وكأنه على أرجوحةٍ تتهادى بها الريح.

الخلاصة، إن الإنسان لا تتضح زوايا نفسه ولا تتم إلا بالإكتفاء الذاتي وإبراز روحه التي تميزه عن الآخرين ، وثباته على المبادئ لا الآراء، فحسن العلاقة مع النفس أهم من حسن العلاقة مع مجتمع كامل، إذ أن من يكون رصينًا من الداخل لا يعز عليه إلا ربه.

فكما يقول مصطفى صادق الرافعي: “إنما هي ثلاثة: المبدأ الشريف للنفس، والفكر السامي للعقل، والحب الطّاهر للقلب؛ هذه هي معاني الكمال الإنساني.”

7 رأي حول “﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾⁵

  1. رائعة من روائعك الجميلة أتيتِ على الجرح 👌🏼
    فعلاً هناك أناس سيطرت عليهم المظاهر وإرضاء الناس على رضا الله ورضى أنفسهم إذ يفعلون هذه الأشياء دون قناعة فقط لأرضاء الناس ومجارات كل جديد دون التفكير هل يناسبهم ويتوافق مع مبادئهم وشخصياتهم أم لا.
    أهنئك على هذا المقال 💐👍🏼

    Liked by 1 person

  2. ‏كن انت
    ‏وافعل ماتشعر به
    ‏واتبع حدسك
    ‏ولا تتأثر بهؤلاء
    ‏فثقتك وصدقك واحساسك وشخصيتك
    ‏سر تميزك فاتبع قلبك
    واعلم ان أن الثبات على المبادئ والقيم لا يتنافى مع تقبل الجديد وتكييفه ليتوافق مع الأصول ..
    * موضوع رائع من شخص اروع استمري والى الامام 👌

    Liked by 1 person

  3. السلام عليكم ،
    نعم ( كمال الإنسان في نقصه ! ) الله .. الله … الإعجاز في الإيجاز ، وهذا ما نلاحظه في أقوال الحكماء ؛ كلمات معدودة تحمل في طياتها مكتبة كاملة ، أو ( زبدة العلم والثقافة ) ، وهذا يذكرني بقول الشاعر : إذا كـنـت عـن أن تحـسن الـصمـت عـاجـزاً فـأنـت عـن الإبـلاغ في الـقــول أعـجــز
    . يـخـوض أنـاسٌ في الــمــقـال لــيــوجــزوا ولـلـصمـت عـن بعـض الـمـقالات أوجـز
    نعم ، أن تكون إنساناً ، تعني أن تعترف أنك محدود في كل شيء ، مهما بلغ علمك ، وقوتك ، وثروتك … وهذا من الإعجاز الرباني ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ولم نجد له عزما ) طه 115 ، ويشير النبي عليه السلام إلى ذلك بالقول ( كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون ) رواه الترمذي ، فالكمال لوجه الله عز وجل ، وهذا لا يجب أن يفهم بشكلٍ سلبي ، وأن يركن الإنسان إلى ضعفه ، وأن يبحث دائماً عن المسوغات لأخطائه المتكررة ، ويعزوها إلى فطرته الإنسانية الضعيفة ، وأن لا يسعى إلى الأفضل في كل شيء ، لا أبداً ، المعنى هو أن لا يغـتر ، وأن لا يصيبه الكِـبْـر ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) والكبر هو بطر الحق ، وغمط الناس ( رواه مسلم ) . وطالما أن الحديث عن القلب ، فإن الإهتمام المفرط في الظاهر لا معنى له .
    وهذا للأسف ما يهـدر طاقات الناس الفكـرية والمعـنوية والمادية . وهذا ما يحـدث في مجتمعنا بوتيرة متسارعة صعوداً ، وهي مشكلة تـتفاقـم يوماً بعد يوم ،
    والملاحظ أن الجيل الجديد ( الأطفال ) ورثوها عن جيل والديهم ، وهذا من أسوأ ما يورثه جيل للجيل الذي يليه .

    ” عندما يحتل الإهتمام بالأشياء ( الماديات ) فكر الفرد فلا مجال ولا فرصة للعقل القوي ، والفكر السوي ، فلقد كانت الحاجة في البداية للسلع والخدما الأساسية ، ثم أصبحت كمالية ، ثم أصبحت ترفـيهـية ، ثم أصبحت مظاهـرية وتفاخـرية ! يَعـتبر الأستاذ مالك بن نبي أن التعلـق بعالم الأشياء حالة من التخلـف تصيب أي مجتمع عندما يفـتـقد هذا المجتمع فعالية ( الفكرة ) ويتمحور حول ( الشيء ) فـيرد إليه المسافات الحضارية التي تفصله عن المجتمعات المتقـدمة فيراها مسافات في نطاق الأشياء فقط ، ومن ثم يتحكم هذا المنطق في حلوله لمشكلاته .”
    أما الدكتور غازي القصيبي فيرى أن ذلك وهماً ، ويقول : ” أما الوهم السادس فهو أن السعادة يمكن أن تجيء نتيجة الثروة أو السلطة أو البروز الإجتماعي ، إنني ألاحظ ، وأرجوا أن أكون مخطئاً ، إننا نوشك أن نتحول شيئاً فشيئاً إلى مجتمع من أفراد متوترين نفسياً نسوا طعم القناعة وطعم الرضا ، وبالتالي طعم
    السعادة … ” ولــنـخــتــم بــالــحــكــمــة :
    قال HENRI F. AMIEL : المادية تجعل كل شيء خشناً ومتحجراً ، وكل حليمٍ فظاً ، وكل حقيقةٍ خطأ ً .
    وقال آخر : الكثير من الناس يشترون أشياء لا يحتاجونها ، بأموالٍ لا يملكونها ، محاولين التأثير على أناسٍ لا يحبونهم .
    قال البرت آينشتاين : إذا أردت أن تحيا سعيداً ، فاربط نفسك بهدف ، وليس بالناس أو الأشياء .
    ويرى الفيلسوف الألماني IMMANUEL KANT : أن اللذة والأنانية والمنفعة لا يمكن أن تكون إطلاقاً غاية السلوك الإنساني ، وإلا سقط الإنسان عبداً خاضعاً لنزواته الحسية الزائلة ، فيقترب بالطبع من مستوى الحيوان ، فمن اللذة ما يجلب ضرراً ، ومن الألم ما يحقق نفعاً .
    وقال آخر : الجميل في موضوع جمال المرأة أن له عدة طبقات ، الأولى ( الخارجية ) هي الأقل أهمية .
    وقال MARTIN BUXBAUM : بعض الناس لا يفقدون الجمال مهما تقدم بهم العمر ، لأنهم فقط ينقلونه من الوجه إلى القلب .
    وقال YVESSAINT LAURENT : أفضل مواد التجميل للمرأة هو الحب ، ولكن المساحيق أسهل للشراء .
    وقال آخر : الجمال في عين الرائي .
    وقال آخر : الجمال شيء لا يصطنع ، إنه شيء يكتشف .

    ( الإقتباسات من كتاب ، تـعـلّـمـي ولا تـعـمـلـي )

    مع خالص التحيات ، وأسمى الأمنيات .

    Liked by 1 person

    1. ” يَعـتبر الأستاذ مالك بن نبي أن التعلـق بعالم الأشياء حالة من التخلـف تصيب أي مجتمع عندما يفـتـقد هذا المجتمع فعالية ( الفكرة ) ويتمحور حول ( الشيء ) فـيرد إليه المسافات الحضارية التي تفصله عن المجتمعات المتقـدمة فيراها مسافات في نطاق الأشياء فقط ، ومن ثم يتحكم هذا المنطق في حلوله لمشكلاته .”

      بالفعل، فلو دققنا بشكل بسيط حول سلوك عيش الناس لتبين لنا بشكل واضح الخاوي والملآن منهم. 👏
      إضافة ثرية، كل الشكر لك.👍

      إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s