المقالات

﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ⁵¹

مارس 2020

سمعت إحداهن تقول أن هذه الأزمة التي نمر بها يجب على كل أحد منا أن يدون عنها بالشكل الذي يحب ويريد، فلربما استطاع أحد منا أن يؤلف كتابًا فحواه هذه الأزمة أو أن يخرج في لقاء يتحدث عن فيروس كورونا. وأنا أزيد بقولي أو على الأقل لعل أحد تسقط عينه على قصاصة من هذه التدوينة ليذكر في زمانه هذه الأيام التي نعيشها والتي هي بالأحرى تعدل عمرًا من الصبر والسعي لفهم هذه الحياة وطريقة مجراها.

فالحياة التي رغبنا بها كثيرًا، في كل يوم -في أيامنا السابقة- كنا نستيقظ بنفس الشغف على السعي خلفها واكتشاف المزيد منها حتى لا نبقي فيها ثغرة لا نحرثها؛

فأكثرنا فيها هرجًا و مرجًا، و أرهقنا أنفسنا فيها عبثًا وهدرًا.

وفي سيناريو مفاجئ وسريع على مسرحها انقلبت فيه الأحداث، فغرق كل ما كان على سطحها، تلك الأشياء التي كانت أساسها -أو بالأصح كنا نظن ذلك- لتصدم الحياة فيه جمهورها فيلتزم جميعهم مقره، فبعضهم فعل ذلك خوفًا وصدمة، والآخر فعله تأملًا فجعل يعيد في عقله هذه المسرحية مرة بعد أخرى، حتى تبين وظهر على السطح ماكان أولويًا فعلًا.

إذ أن الحياة أعمق مما كنا نتصور وأبسط مما كنا نعيش.

فقد عزلتنا الثانويات عن أساسنا، وابتعدنا كثيرًا عن تلك اللقاءات الودودة التي لا تجمعنا بأحد سوانا (نحن وأنفسنا) فكل ما كنا نسعى له في السابق اختفى عنا الآن، لنواجه أنفسنا التي كنا نهرب منها طوال تلك السنين السابقة.

أنفسنا التي ظلمناها كثيرًا وحاولنا أن نواريها تحت ستار غدًا اللقاء والمحاسبة. اليوم هو يومها فأنفسنا جائعة للكثير. جائعة ومتأملةٌ لكتاب تقرأه، لصلاة تتلوها، لعمل تتقنه، أو حتى لساعة تأملٍ تعيد فيها ترتيب بعثرتها.

إن النفس هي القوة البشرية العظمى، وهي الأداة السحرية لفك كل شفرة تواجهنا لكننا غالبًا ما نجهل شفرتها في الوقت ذاته.

ومع ذلك، ستمر هذه الأيام وإن طالت شهورًا، وستكون في عقولنا تاريخًا، وسيظهر مع الأيام علينا تأثيرها فينا سلبيًا كان أم إيجابيًا. وبعد ذلك سندرك أنها أرقامًا من عداد أعمارنا لها وعليها مثل الأيام السابقة.

الخلاصة، الحياة لا تملك قوةً لأن تُميل مركب السائرين فيها، إنما قوة الميل والثبات داخل أرواحهم ونفوسهم.

“إنّ معرفة النّفس فضيلة في حد ذاتها، تدلنا إلى معرفة طريق الحياة الأنسب لها.”

*ياسر حارب.

7 رأي حول “﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ⁵¹

  1. أظهر شيء أثارته هذه الجائحة هو أننا لا نمارس التأمل ! والحقيقة أن التأمل غذاء روحي لا غنى عنه لأي إنسان في جميع الأوقات والظروف ، في السراء والضراء ، للكبار والصغار ، ومن الضروري أن يربى عليه الأطفال خاصة ، حتى لا يفقدون فناً من أغنى فنون الحياة ! يقول التربوي الإيطالي ( بستالوزي ) : التأمل أساس التعليم ، ومن الواضح أن ما ينقص الأجيال الجديدة من التلاميذ هو التأمل فيما يدرسونه ، ولذلك من الملاحظ أن ما يتعلمونه لا يبقى طويلاً في أذهانهم ؟ ! لعدم ممارسة التأمل ، والتمتع بفضائله انعكاسات سلبية كثيرة على جودة حياتنا ، بل ربما نفقد معنى الحياة بسبب هذا الإهمال ؟ ! وفي القرآن الكريم الكثير من الإشارات إلى أهمية التأمل للوصول إلى الفهم الحقيقي لمغزى الحياة ، وسر الخلق ، وإن استخدم كلمة أخرى ( مرادفة ، ربما ) وهي ( التفكر ) و ( التدبر ) ؟ ! ولعمر بن الخطاب رضي الله عنه قول مأثور حول ذلك ( نعمتان محسود عليهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ) والفراغ هنا يعني التأمل ، لأن الإنسان المنشغل دائماً لا فرصة لديه للتأمل ، ولا حتى في نفسه ؟ ! وعدم التأمل يفقد الإنسان الكثير من الدروس والتجارب ، والبصيرة والحكمة ، فيما يمر به من مواقف يومياً
    ؟ ! وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة ( فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) ؟ ! للشاعر الحكيم المتنبي قصيدة شهيرة مكونة من عشرة أبيات فقط ، ولكنها تختصر تجربة الحياة بنظرةٍ فلسفية نادرة ، وقد سُميت ( الدرة اليتيمة ) وهي بلا شك ، نتاج تأمل عميق ونظرة فاحصة ، وقدرة فائقة على التصوير بأسلوب ( السهل الممتنع ) : ……………………………………………………………………………………………………………………….
    صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا
    * وَعَناهُمْ مِن شَأنِهِ ما عَنانا
    ٢ وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنـ
    * ـهُ وَإِن سَرَّ بَعضُهُمْ أَحيانا
    ٣ رُبَّما تُحسِنُ الصَنيعَ لَياليـ
    * ـهِ وَلَكِن تُكَدِّرُ الإِحسانا
    ٤ وَكَأَنّا لَم يَرضَ فينا بِرَيبِ الـد
    * دَهرِ حَتّى أَعانَهُ مَن أَعانا
    ٥ كُلَّما أَنبَتَ الزَمانُ قَناةً
    * رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا
    ٦ وَمُرادُ النُفوسِ أَصغَرُ مِن أَن
    * نَتَعادى فيهِ وَأَن نَتَفانى
    ٧ غَيرَ أَنَّ الفَتى يُلاقي المَنايا
    * كالِحاتٍ وَلا يُلاقي الهَوانا
    ٨ وَلَوَ أَنَّ الحَياةَ تَبقى لِحَيٍّ
    * لَعَدَدنا أَضَلَّنا الشُجعانا
    ٩ وَإِذا لَم يَكُن مِنَ المَوتِ بُدٌّ
    * فَمِنَ العَجزِ أَن تَكونَ جَبانا
    ١٠ كُلُّ ما لَم يَكُن مِنَ الصَعبِ في الأَنـ
    * ـفُسِ سَهلٌ فيها إِذا هُوَ كانا

    أتمنى من الجميع استثمار هذه الأزمة إيجابياً ، للتفكير ملياً في نظرتنا إلى الحياة ، ونمط عيشنا ، وأسلوب تفكيرنا ، ومنهج تربيتنا …………………………… الخ

    مع خالص التحيات ، وأسمى الأمنيات .

    Liked by 1 person

    1. شكرًا أخ عبدالله على هذه الإضافة المثرية والتي أُحكمت باستدلالات واقتباسات سديدة.
      إذ أن التأمل يعمل كالفيتامين الروحي للإنسان تمامًا كعمل الفيتامينات البدنية للطعام. لكن غالبًا ما يدرك المرء هذه الحاجة في وقتٍ متأخر إذ يتبين نقصه مع قلة جودة حياته وضعف عطائه لها.
      شكرًا مرة أخرى.

      إعجاب

      1. السلام عليكم ،
        هذا استدراك ، أصحح القول المأثور في تعليقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، والحقيقة أنني وجدته في صحيح البخاري ، وهذا نصه : …………………..

        عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ))؛

        رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب ما جاء في الصحة والفراغ، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة 5/ 1357 (6049).

        Liked by 1 person

  2. شكرا على هذا المقال الرائع حول ازمة كورونا ، وفيه اشارات كثيرة لما يجب ان تكون عليه مواقفنا عندما نمر بمثل هذه الظروف الصعبة ،
    وأن نحاسب أنفسنا ، وان نفكر في الاخرين الذين يعانون من ويلات الحروب وجحيم الهروب . الى الامام .

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s