المقالات

“كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ”¹⁷¹

قبل أعوام من الآن كنت أظن أني بعد خمس سنواتٍ سأكون في ذلك المكان، بتلك الشخصية وعلى تلك الهيئة. وجاء الوقت وإذا بي هنا وبطريقة عشوائية رمت بي تلك الباخرة الكبيرة على هذا الشاطئ دون إذن من مخططاتي ودون إذن من أحلامي!

نزولي إلى هذا الشاطئ كان كهدبٍ بسيط في طرف السجاد بدأ ينسل حتى تناثرت كل معالم السجاد المثيرة، وأصبح عقدة خيوطٍ لا يُعرف أولها ولا يميزُ آخرها.

قبضت بتلك الخيوط ووأومتُ برأسي بطريقة جدية لمحاولة تفكيكها وإعادتها كما كانت. لكن ما أدهشني هو رغبتي في الاستغناء عن كثيرٍ منها ومحاولتي في تغيير معالم السجاد الذي قضيت عليه زمنًا طويلًا من الحياكة.

الإنسان ظروف قبل أن يكون شخصية، الظروف المحيطة والمتفاعلة مع البني آدم ثؤثر فيه كما يتأثر بها ، يصنع الإنسان ظروفه فتصنع به الظروف ما تريد أحيانا.

إبراهيم عيسى

العبادة الأولى؛

نعم، هذا ماتوصلت إليه؛ فمنذ نزولي من على تلك الباخرة لم أستطع إيجاد المفتاح السحري الذي كان بحوزتي، ففي هذه الجزيرة الغريبة لا يوجد للإنسان حكم على ظروفه ولو على المدى القريب. لكن لا يزال المرء قادرًا على صقل نفسه بمعاول التأمل والتجارب والتي تضيف إليه بريقًا ألماسيًا مذهلًا.

فالتأمل الذي أعنيه ليس كما يظن البعض من لحظات الصمت الهادئة أو من استنشاق اكسجينٍ كثيف يداعب الرئتين؛ دعوني أتحدث عن التأمل الذي أعنيه والذي أزعم أنه يساعد المرء على الإمتلاء بالإنسانية والوصول إلى الرضى بيقين راسخ يقي القلب من التعلق في الثائرات.

أولًا، إنه أفكارٌ مجردة من تلك التي تحملها في عقلك الباطن، والذي نص عليك العديد من الأمور التي بدأت تعدها من المُسَلمات التي لا تفكر حتى في الخوض فيها، جرب أن تتجرد تمامًا لأنك إذا نجحت في التجرد ستكون تعديت النقطة الأصعب.

ثانيًا، تكرار التفكر والاستبصار يساعدك في الوصول إلى قناعاتٍ واضحة وأفكار سليمة ومخططاتٍ أقرب للنجاح، فإن أول فكرة نصل إليها قد تكون الأسهل وليس بالضروري أن تكون الأسلم.

ثالثًا، كن على يقين بأن ماتصل إليه في الأخير هو أنت الخامل في داخلك وليس ذلك الشخص الذي حركته أفكار مجتمعية أو سّيرته ظروف اضطرارية لأنك الوحيد العارف بنفسه والمؤمن بها هذا الإيمان الكبير.

يجب أن يفكر المرء ولسوء الحظ أن عناصر تفكيره مقتبسة من أهله، لأن الإنسان لا يصنع نفسه من العدم.

– مارسيل بروست

بروست يزعم بأن إناء الطالب ماهو إلا ترسبات من أباريق معلميه. فالإنسان يقف فوق أحجارٍ بناها غيره، غير مهتمٍ لطريقةِ بنائها أو لدرجة قساوتها وانحناءاتها وانحرافاتها. ومادام أن المرء لا يشعر بأي اهتزازات فقد يقضي عمره واقفًا فوق هذا الجبل -ظنًا- بثباته!

ولن يستطيع الإنسان أن يختبر صلابة أرضه إلا بإعادة التفكر في حالها -كيف كانت وماصارت إليه؟- وأن يجرب تجزئتها وتحليلها ومعرفة طبيعتها. والسؤال الأهم هل هي حجارة أساس أم حجارة قبة!

عند كل منعطف في طريق التأملات يحصل الفرد على كم هائل من النتائج المذهلة والادراكات التي تسوقه إلى شخصه الصحيح ونفسه الزاهية وروحه السوية المستوية على صراط الفكر السليم.

“إِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۗ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْـًٔا وَلَا يَهْتَدُونَ”

البقرة 170

8 رأي حول ““كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ”¹⁷¹

  1. السلام عليكم ،
    شكراً على موضوع المقال الجميل ،
    الإنسان ظروف قبل أن يكون شخصية، الظروف المحيطة والمتفاعلة مع البني آدم ثؤثر فيه كما يتأثر بها ، يصنع الإنسان ظروفه فتصنع به الظروف ما تريد أحيانا. ( إبراهيم عيسى )
    يجب أن يفكر المرء ولسوء الحظ أن عناصر تفكيره مقتبسة من أهله، لأن الإنسان لا يصنع نفسه من العدم. ( مارسيل بروست )

    في الحقيقة أنا لا أتفق مع الإقتباسين ؛ الأول فيه خطأ ، حيث ينص على ( تؤثر فيه كما يتأثر بها ) وأظن المقصود هو ( تؤثر فيه كما يؤثر فيها ) ، ومضمون الاقتباسين هو أن الظروف والأهل ( البيئة ) هي ما يقولب الإنسان ويصنعه ، وهذا جزء من الحقيقة وليست كلها ، ولا شك في تأثير البيئة المحيطة على توجه الإنسان وبناء شخصيته ، ولكن الإيمان بأن ذلك هو كل الحقيقة يؤدي إلى الإحباط والإنهزامية ، ورمي الاخفاقات والفتور وضعف الإرادة على الظروف والبيئة ، وهذا عكس ما تتطلبه الحياة من كفاح وإصرار وصبر وجهد وجهاد ، وهذا ما لخصته الآية الكريمة . ما نعرفه من تجارب الآخرين ، وما يحويه التاريخ من خلاصة مصادر إلهامات المبدعين وإنجازات الرواد كانت هي ( المعاناة ) والسباحة ضد التيار ، والمثابرة على صنع التغيير في البيئات المتكلسة والمتقوقعة ، رغم الصعوبات والمعوقات والمعارضات المتلبثة بالقديم المتهالك ، والمحارب لكل جديد غير مألوف ، والخوف من التغيير المأمول ، والمستقبل المجهول .

    وكما يقول التربوي بستالوزي ( التأمل أساس التعليم ) . التأمل رياضة فكرية ، ونعمة مهدرة ، والذي لا يتفكر ولا يتأمل غافل يعيش بعيداً عن الواقع ، التأمل هو تذوق الحياة ، وهو فن العيش في اللحظة ، وهو فن فكري يقوم أساسه على نقل وعينا من مواقف حصلت في الماضي وأمور قد تحصل في المستقبل إلى لحظة (الآن ) التي غالباً نفرط بها وقلما نعيش فيها ونستمتع بها ونستكشف أسرارها ونسبر أغوارها ، والتأمل أصل كل طاعة ، وبالتأمل يزداز العلم بالله والتقرب منه ، وقد قيل في الأثر أن تفكر ساعة خير من قيام ليلة .
    يرى علي عزت بيقوفتش رحمه الله أن الحضارة تَعلُم ، أما الثقافة فتنوُر وتأمل ، ويعرّف التأمل بأنه جهد داخلي للتعرف على الذات وعلى مكان الإنسان في العالم ، ويرى أن التأمل يؤدي إلى الحكمة والكياسة والطمأنينة ، وإلى نوع من التطهير الداخلي الذي هو تكريس النفس للأسرار والإستغراق في الذات ومحاولة للوصول واكتشاف هويتنا وحقيقة حياتنا ووجودنا . يقول تعالى : وفي أنفسكم أفلا تبصرون ؟

    ولا تحلو الاختراقات العظيمة في حياة الإنسان ولا تتحقق إلا إذا سبقها تغلب على ( الظروف المثبطة ، والبيئة المحيطة المحبطة ) وإلا فما هي حقيقة ( الإنجاز ) ؟ وفي سير الأنبياء والرسل عليهم السلام خير مثال على مكابدة الظروف ، وفهمها ومعالجتها بالتأمل ؟؟؟

    تحياتي .

    Liked by 1 person

  2. صحيح الانسان ينشأ ويقتبس افكاره وحياته من اهله او مجتمعه سواء بالشيء الزين اوالشين ، ولكن اذا تقبلها تمامًا برضا حتى اللي مو عاجبه فيهم ، بعدها يقدر يتجرد من هاذي المفاهيم بدون صراع ويستقل بشخصيه ومفاهيم اخرى

    تدوينه عميقة ، ابدعتي👌❤️

    Liked by 1 person

  3. تدوينة عميقة جدا فيها الكثير من التساؤلات دارت في عقلي عند قرائتها ، هل اذا سمحتِ تبسيط مقصدكِ اكثر حول التأمل الذي تقصديه ، اعلم المصطلح واعلم ماهيته ولكن كيف استطيع ان اقوم به على وجه الصواب ؟؟؟؟

    Liked by 1 person

    1. مرحبًا بكِ نجمة.
      المقصد هو في التأمل الذي يقي المرء مصارع السوء ويجلب الراحة والطمأنينة والقناعة باستبصار الطريق الصحيح.
      فكري في كل الأمور حولك، هذه المُسَلمات التي وجدتِ نفسك عليها دون اختياراها، هل تناسبكِ وتناسب أهدافك؟ وهل هي حقًا صحيحة؟ أم تحتاج إلى تصحيح يستقيم به سلم حياتك.

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا على نورة الصنيع إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s