المقالات

“وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ”⁹

خلق الله الإنسان وفطر جوارحه على الهدى والنهج السليم، وجعل في نفسه بوصلة ترشده إلى اتجاه السعادة المستقيم والرضى الدائم. وقبل أن نخوض في أبعاد الإنسان وماهي القوى العاملة على توازن المرء وسط دولاب الحياة الدائر، أحب أن أعرف السعادة حسبما أراها فالسعادة هي نيل الخير في كل أمور الحياة بطمأنينة ويقين دون خوف أو قلق.

بالنسبة لي أرى أن قوى السعادة في الإنسان ترتبط باكتمال ثلاثة عوامل هي الأساس في الوصول إلى السعادة التامة، فباكتمالها تتوازن أبعاد المرء وتنغلق عليه حجرة السعادة بأبعادها الثلاثة.

الروح الخاضعة: بين العبد والعابد،

“وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ” يس61

إن طبيعة الإنسان أنه عبد بأصله وعابد باختياره أي أن كل خلق الله عبيد له، ومن اختار رضاه أصبح عابد له، والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نأتيه طائعين طامعين لا مجبورين مشككين. ولهذا يصبح الجانب الروحي الأصعب بين الجوانب الأخرى، رغم أن الإنسان مفطور عليه من مهده إلا أن الوصول الكامل له يحتاج إلى اجتهاد شاق منه.

فالعبادة أمر غريزي أي أن من حاجة المرء واكتماله هي العيش تحت الخضوع والتعبد وفق شريعة معينة تحت من يملك السلطة الأقوى والقرار الأكبر، وهذا ما يجعل الإنسان مطمئنًا لمعرفته بعجزه ونقصه.

ولذلك جاء تعريف الإسلام بهذه الطريقة: “الإسلام هو الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله.” ولأن الاستسلام والانقياد دون النزاع والنقاش أمر يستصعبه الفرد أصبح اكتمال الجانب الروحي من أصعب الجوانب المعنية بسعادة الإنسان، فالمرء عندما يسلم لله ويخضع لله دون أي مناوشات وصراعاتٍ في نفسه عندها يصل إلى السلام الروحي بالاتصال السليم مع الله سبحانه والدعاء السديد الواثق بالرد، وبالتأمل المغذي للروح والنفس.

الالتحام الكامل: بين النفس والجسد،

كثيرٌ من الناس من يعيش انفصالًا داخليًا بين نفسه وجسده فعندما يختل ميزان العدل بينهما تتوه بوصلة الطريق للسعادة، فحاجات النفس مرتبطة بحاجات الجسد والعكس كذلك.

فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: “نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصحة والفراغ.” رواه البخاري.

فعند اقتران الصحة بالفراغ يكتمل العامود الثاني من أعمدة السعادة؛ إذ أن الصحة تدعم تمام العافية البدنية والفراغ يستغله العاقل لصالح سلامته النفسية.

وتمتلئ كفة النفس بامتلاء الجانب الذاتي والاجتماعي اللذان يحثان على تعزيز ثقة الفرد بنفسه وإعطاءه منظرًا جيدًا يحب أن يشاهده في ذاته، وهذا غالبًا ما يكون بالانضمام إلى جماعات تشارك المرء المعتقدات والأفكار ليشعر بأنه فرد من شيء وأنه مكمل لنقص. أيضًا، الحصول على دعم اجتماعي من قريب أو صاحب يساعد على تنقية النفس من الأمور السلبية بشكل متكرر قبل أن تستقر ويصعب انتشالها.

أما الجانب الجسدي فهو قائم على الصحة والاكتفاء البدني دون الحاجة للمساعدة من أحد لتلبية حاجات الجسد الرئيسية. والغالب يتفق أنها في التغذية السليمة والرياضة الدائمة والنوم المستقر.

عندها إذن يلتحم العامل الثنائي وهما النفس والجسد.

الجوهري والملموس: بين العلم والمال،

المال من دون علم لا محالة زائل، والعلم من دون مال قاصر صعبٌ امتداده وسقيه للناس.

فعن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: “أحدثكم حديثا فاحفظوه، إنما الدنيا لأربعة نفر عبد رزقه الله مالاً وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصِلُ فيه رحمه ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علمًا فهو يخبِط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علمًا فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء) رواه الترمذي.

وفي هذا دليل على أن المال يطول عمره بحسن العلم والعلم أحكم وسيلة لصرف هذا المال وإدارته.

لذلك، تكون العلاقة بين العلم والمال قوية فالعلم هو دليل مستقيم يساعد على ضبط الأمور المادية في الحياة، أما المال فهو ما يُكسب راحة البال ويساعد على الابتعاد عن كثرة التفكير في لقمة العيش وعن السعي الشاق وراءها.

لذلك، وجود مصدر دخل ثابت ومضمون أمر مهم للاكتفاء عن مد اليد وضمان المعيشة المتوازنة بتلبية الرغبات المادية الثانوية وليس الأساسية فحسب كالسكن والكساء والغذاء.

وإذا قارن المال العلم زاد عند الإنسان رغبة العطاء التي هي أفضل من الأخذ لما تجلب من سعادة كثيفة.

أخيرًا:

يتضح أن الإنسان يقف على ثلاثة أقدام وليس على اثنتين، فعند الحصول على الروح الخاضعة والالتحام الكامل وربط الجوهر بالملموس تحدد البوصلة الطريق المستقيم ويغادر المرء حياة القلق والرهبة إلى حياة الاستقرار والسلام والسعادة.

رأيان حول ““وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ”⁹

  1. ( نحن نبحث عن السعادة بتكلف ، ثم نجدها في أبسط الأشياء ) غاندي
    ( لا سعادة تعادل راحة الضمير )

    السعادة ودرجتها إحساس يصعب تعريفه ، ويختلف من فردٍ إلى آخر ، إحساس يتعلق بالنفس والقلب والصدر والضمير .

    جاء الإسلام لحفظ المصالح العليا ( حفظ النفس والعقل والمال والنسل والدين ) والسعادة نوعان ( دنيوية وأخروية ) الأولى مؤقتة وسبيل إلى الثانية الأبدية .

    السعادة الدنيوية تتطلب الكثير من الجهد والصبر والتحمل والتكيف والحكمة ، ومن طبيعتها التفاوت ارتفاعاً وانخفاضاً ، سلباً وإيجاباً ، صحة ومرضاً ، راحة وألماً . وسر الإيمان يتجلى في كيفية تعامل الإنسان مع كل ذلك . قال النبي عليه السلام : عجباً لأمر المؤمن ، فإن أمره كله خير ؛ فإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له .

    والسعادة الأخروية تتضح من هذه الآية الكريمة ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ) .

    ليست السعادة بالحصول على ما لا نملك ، بل أن ندرك قيمة ما نملك .

    سر السعادة لا يتم في السعي إلى المزيد ، بل بتنمية القدرة على التمتع بالقليل .

    تحياتي .

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s